فارسی
المقالات والأبحاث
الصفحة الرئيسية   /   المقالات والأبحاث   /   نقد الکتب   /   نظرة علی کتاب المقاصد العلیة
نظرة علی کتاب المقاصد العلیة
الشیخ قیس بهجت العطار
نظرة علی کتاب المقاصد العلیة

المزاوجة بين العلم والأدب عند العلامة الأمينى‏

الحمدُ لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمّد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.
وبعد، فإن المؤلِّفين على مرِّ العصور كُثُرٌ لايُحصون، والمؤلّفاتُ على تنوّع مواضيعها واختلاف مشاربها ومساربها لا تُحدُّ بحدّ ولاتُحْصَرُ بحاصِر، وبين هذا وذاك كانت ومازالت المُعادلة المطروحة هي أَنَّ بعض الكُتُبِ عُرِفت واشتهرت من خلال شهرة مؤلّفيها، فطارت كُلّ مطارٍ بغضّ النظر عن محتواها، وبعض الكتب الأُخرى هي التي عَرَّفت مؤلِّفيها وإن كانوا من قبل ليسوا ذائِعَي الخبر ولاطائري الصِّيت.
وبين هاتين الكفّتين برز رجال أفذاذ ذوو مؤلِّفات باهرة، فخرقوا المعادلة المذكورة العامة، فكانوا هم ومؤلّفاتهم كَفَرسي رهان، فهذا يُعَرِّفُ ذاك، وذاك يُعَرِّفُ هذا. وهؤلاء المعدودون في هذه المعادلة الجديدة هم القلَّة القليلة التي تزاوجت مع علومها، فأنتجت مزيجاً فذّاً من المؤلِّف والمؤلَّف.
ولكَ أن تُنَظِّر لذلك بالشيخ المفيد والشيخ الطوسي والعلامة الحلّي وأضرابهم من كواكب العلم، وعلى المدى القريب لك أن تتمثّل أمام ناظريك القاضي نور الله التستري والعلامة المجلسى والسيّد عبدالحسين شرف الدين وأمثالهم، فإذا تملّيتهم وتأمّلت في سرّ عبقريّتهم، وقفت على جَليّة الأمر وسرّ الخلود لهؤلاء المؤلِّفين ومؤلّفاتهم.
وفي هذا المضمار يتصدّر المجلس ويتربّع على الدست الشيخ الأجل العلامة الفذّ الشيخ عبدالحسين الأمينى قدس سرّه.
فما هو السِّرُّ في هذه المعادلة الجديدة؟
إنّ السِّرَّ في ذلك يكمن في عدّة نواحٍ تمتاز بها شخصية المؤلِّف والمؤلَّف الشاخص، ويحتاج بيان ذلك في كل شخص وكلّ مؤلَّف إلى دراسة موسَّعة تستجلي كوامن العظمة في المولِّف والمؤلَّف ، ولذلك انطلقت الدراسات الأكاديمية والحوزوية في هذا المجال، فكانت الثمار وكانت حصائل البحوث هي التي عليها المدار في جميع أندية العلم ومحافله في العالَم.
لكّن ما نريد أن نقف عليه في هذه العُجالة هو استجلاء جانب المزاوجة بين العلم والأدب في شخصية العلامة الأمينى قدس سرّه ومؤلّفاته، خصوصاً الكتاب المعقود لأجله هذه المقالة، وهو كتاب «المقاصد العليّة في المطالب السَّنِيّة»، مضافاً إلى ميزات أُخرى سنتناولها في ثنايا الكلام.
إنّ أوّل ما نلاحظه في هذا الكتاب النفيس هو تناوله لآيات قرآنية بعيدة المغازي سحيقة الأغوار، ليس لأحدٍ أن يدلي فيها بدلوه إلا من خلال الاستلهام من أهل بيت العصمة والطهارة، لأنّها تتناول عالم ماقبل الخليقة من عالم الذّرّ وأخذ العهد، وذلك في قوله تعالى:﴿و إذ أخذ ربك من بني‏آدم من ظهورهم ذرّيّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى﴾. (الأعراف (7) / 172)
ثم تتناول الأسماء الحسنى وتأويلها، وهي التي أُمر الإنسان أن يدعو بها ليقطع بها مسيرته الإيمانية في‏الأرض، وذلك فى قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون﴾. (الأعراف (7) / 180)
وتناول ثالثاً ما قبل القيامة، وعند قيام العدل الإلهي على الأرض قبل يوم القيامة، وذلك عن خلال تناول مفهوم الرَّجعة عند ظهور قائم آل محمّد عليهم السلام، وكان ذلك عبر قوله تعالى: ﴿قالوا ربَّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾. (غافر (40) / 11)
ورابعاً وختاماً بيَّن قدس سره عاقبة الأمر يوم القيامة، وكيفية تقسيم الخلائق عند ذاك من حيث الجنة والنّار والسَّبق والقُرْب، وذلك في قوله تعالى: ﴿و كنتم أزواجاً ثلاثه * فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة * وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة * والسّابقون السّابقون * أولئك المقرَّبون﴾ (الواقعة (56) / 7 - 11)
وهذه الرُّباعية في الانتخاب تمثّل الرُّقيّ الفكري عند المؤلِّف واستنطاقه أربع مواضع قرآنية لبيان جميع مراحل الإنسان وسبيل النجاة، فالذرّ ثم البَدْء، ثم الطريق، ثم ماقبل العاقبة، ثم العاقبة. وقد تناول المؤلِّف كُلّ هذه المفاهيم معتمداً على مدرسة أهل البيت عليهم السلام دون الالتفات إلى ما وَسْوَسَ به الموسوسون وهَلْوَسَ به المُهَلْوِسون من أتباع المدارس الأخرى.
ويبدو واضحاً جليَّا في فكر المؤلِّف الأمينى نزعة المَعْرِفة المستقاة من تفاسير وتأويلات أهل العصمة والطهارة لا غير، اللهمّ إلا أن يأتي بروايات غيرهم للإلزام، بل نراه يركِّز بشكل كبير على الاعتماد على صحاح المرويّات.
ففي المطلب الثالث من الكتاب - وهو الذي ارتأينا أنّه أوّل المطالب - عند بيان عالم الذرّ وأخذ العهد، يذكر المعنى مُسْتَلاًّ من الروايات، ثم لايكتفي بذلك حتّى يذكر تسعة أحاديث مسندة في المطلب المذكور.1اُنظر ص 133 - 139 من الكتاب.
ثم يتعرض لبيان ميزان التفاضل وأن مداره على انقياد الإنسان لمولاه، مردفاً ذلك بثلاثة عشر حديثاً مخذوفة الإسناد للاختصار.2 اُنظر ص 153 - 155 من الكتاب.
ويتعرض بعد ذلك لعلّة سَبْق النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لسائر الأنبياء عليهم السلام فيذكر في ذلك سبعة أحاديث مفيدة مع ذكر مصادرها.3 اُنظر ص 157 - 159 من الكتاب.
ويتحدّث بعد ذلك عن سَبْق أميرالمؤمنين عليه السلام إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في الخلق الأوّل، وأنّه لذلك كان أميرالمؤمنين من الأولين والآخرين، فيذكر في ذلك أربعة عشر حديثاً مخدوفة الإسناد مذكورة المصادر.4 اُنظر ص 177 - 181 من الكتاب.
ثم يذكر أَخْذَ الله ميثاق الولاية على الناس في يوم الخلق الاوّل وعالَم الأظِلَّة، فيقول: «وورد النصّ بذلك في أحاديث كثيرة تقرب إلى ثلاثين حديثاً مسنداً، ونقتصر في المقام على عشرة أحاديث». (ص 181)

ويتطرّق لمعنى قوله تعالى: ﴿ثم لتسألنّ يومئذ عن النعيم﴾ (التكاثر (102) / 8)، وقوله تعالى ﴿وقفوهم إنّهم مَسْؤُولون﴾ (الصافات (37) / 24)، فيقول: «ووردَ النصّ بذلك في أخبار كثيرة بطرق العامّة والخاصّة في تفسير هاتين الآيتين، ونحن نقتصر منها بذكر عشرة أحاديث». (ص 189)
ثمّ يذكر الآيات المتعلقة ببحث الذرّ وأخذ العهد، فلايتناولها إلّا مع الحديث الشريف، فيقول: «و أما الأدلّة النقلية من الكتاب والسنة، فنقول: أمّا الآيات فهي تبلغ عشرين آية نذكرها مرتّبة مع ما يرجع إليها من الأخبار.» (ص 196)
ويأتي إلى صُلب موضوعه فيذكر 27 حديثاً في معنى قوله تعالى: ﴿و إذ أخذ ربّك من بني‏آدم من ظهورهم ذرّيّتهم﴾... إلى آخر الآية.5 اُنظر ص 196 - 209 من الكتاب.
وعند بحثه في الآية التاسعة عشرة وهي قوله تعالى: ﴿ «يوم يأتي بعض آيات ربِّك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً﴾ (الأنعام (6) / 158)، يذكر رواية فيها6 اُنظر ص 232 - 234 من الكتاب.، ثم يُردِفها بذكر 73 رواية في الخلق الأوّل والميثاق، ثم يقول: «هذه جملة من أخبار المسألة، وهي مع ما ذكرناه تحت الآيات مائة وخمسون حديثاً، وقد اقتصرنا بهذه الجملة خوفاً من الإطالة والإطناب، وإلّا فالأخبار الواردة من الفريقين في المقام كثيرة تَضَاعَفُ على ما ذُكِرَ، وأكثر الاخبار المذكورة نقيّة السَّنَد مُتْقَنَهٌ معتبرةٌ جدّاً كما لايخفى على أرباب الفن، وكثير منها في أعلى درجة الصّحة» (ص 270) ، ثم ذَكَرَ بالتفصيل حال سند أربعين حديثاً منها.7 اُنظر ص 270 - 286 من الكتاب.
وهذا المسلك سَلَكَهُ بعينه في كُلِّ كتابه، فهو يعتمد على القرآن المجيد مشفوعاً بالسّنّة المطهّرة، متوخّياً في كلّ ذلك تحقيق الاستفاضة أو الشهرة أو التواتر، بانياً على صحاح الأخبار والآثار، غير مُغْفل ما يرويه العامّة، بل يأتي به على نحو الإلزام أو التعضيد. وهذا هو منهج العلامة الأمينى قدس سره في كتابه هذا، بل في كل كُتُبه ومؤلفاته وتعليقاته.
وقد لايفوت القارى النبيه أُسلوب العدّ والترقيم الذى كان لايفارق مطالبه العلمية، فهو يعدّ الأحاديث الواردة في محل بحثه، ويذكر ما يذكره منها محصوراً لا مُبَعْثراً، وذلك بعد الجمع والاستقصاء والغربلة، فيأتي بزبدة المخض ليسيغها للطالبين بلا عناء وعلى أحسن وجه.
ومن جملة أسلوبه الاستقصائي ذكره لأسماء يوم الذر الواردة في أحاديث أهل العصمة والطهارة بما لم أَرَه في مكان أو مظنٍّ آخر، حيث قال: «و يسمّى ذلك العالمَ ب: يوم الميثاق، ويوم الجمع، ويوم الشاهد، ويوم المشهود، ويوم العرض الأوّل، ويوم الخلق الأوّل، ويوم التكليف الأوّل، ويوم البعث الأوّل، ويوم الإقرار، ويوم الولاية، ويوم "بلى"، وعالم الذرّ، وعالم "ألست" وعالم الأظلّة». (ص 136)
يضاف لكلّ ذلك الحالة الموسوعية التى يمتاز بها بشكل مذهل، حيث يوشّح كل ذلك بالاستنباطات الفقهية، والقواعد الأصولية، والمباني التفسيرية، وعلم الحديث والرجال والدراية، والحقائق التاريخية، والنكت الأدبية، واللفتات البلاغية، والنُّتف المعارفية، والقبسات النادرة، والاحتجاجات البليغة، والأجوبة المسكتة، ووو.... فيخرج من كل ذلك كتابُهُ آيةً في كل زاوية من زواياه ومطلب من مطالبه، ويعكس بذلك عبقريته الّلا متناهية في كل مجالات المعرفة، فبذلك يكون كتابه حاكياً عن عظمته، وعظمته مطبوعة على كتابه.

ملامح الأدب في الكتاب‏‏

والذى نريد أن نسلّط عليه الضوء هو أدب الشيخ الأمينى في هذا الكتاب وأسلوبه ووحدة قَلَمِهِ.
فقد امتاز الشيخ الأمينى - رغم كون مُنْحَدَره من تبريز - بحبّه للأدب العربيّ، وتضلّعه من أشعار العرب، وإبحاره في التراث الأدبي الشيعي، وتتبّعه لأمثال العرب، وإجادته في الاستعمالات الحديثة دون الاقتصار على جفاف القلم العلمي القديم.
فها نحن نرى مؤلّفاته تضجّ وتعجّ بأشعار العرب، ولايكاد يخلو مؤلَّف من مؤلفّاته، بل موضوع من مواضيعه من الشعر العربى والنبرة الأدبية.
فما أن طوى قَلَمُهُ ستّ صفحات من المطلب الأوّل8 وهو الّذى ارتأينا أنّه ثالث المطالب. - في معنى قوله تعالى: ﴿قالوا ربنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾ (غافر (40) / 11) - حتّى عَرَّج على ذكر أبيات لأحد الأدباء الفلاسفة - وهو ابن سينا - في أَنّ الحياة الحقيقية هى العلم والرُّقي المترتبان على الوجود الإنساني:
هذّب النفس بالعلوم لترقى‏
وترى الكُلَّ فهي للكُلِّ بَيْتُ‏
إنّما النّفس كالزُّجاجة والعق‏
ل سراجٌ وحكمةُ الله زيتُ‏
فإذا أشرقت فانّك حيُ‏
و إذا أظلمت فانّك مَيْتُ
(ص 19)

ويسترسل بذكر كلمات إمام البلاغة أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في ذلك المجال ثم يتبعها ببيت للإمام أميرالمؤمنين عليه السلام. ثم يذكر خطبة للإمام أميرالمؤمنين من نهج‏البلاغة يقول فيها: «فالصورة صورة إنسان والقلب قلب حيوان، لايعرف باب الهدى فيتّبعه، ولا باب العمى فيصدّ عنه، وذلك ميت الأحياء»، فُيلاحِظُ الأميني هنا الشعراء الذين اقتسبوا هذا المعنى، فيقول:
«و أخذ الشاعرُ هذه الكلمة الفصيحة، فقال:
ليس من مات فاستراح بمَيتٍ‏
إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحياءِ
إنّما المَيْتُ من يعيش كتيباً
كاسفاً بالُهُ قليلَ الرجاء
وقال آخر فى المعنى:
وفي الجهل قبل الموت موتٌ لأهلِهِ‏
و أجسادهم دونَ القُبُورِ قُبُورُ
وإنّ امرءاً لم يَحْىَ بالعلم قَلبُهُ‏
فليس له حتى النُّشُورِ نُشُورُ
وأنشد عيسى بن على الوزير - المعروف بابن الجرّاح - لنفسه:
رُبّ ميتٍ قد صارَ بالعلمِ حيّاً
و مُبَقّى قد حازَ جَهْلاً وغَيّا
فاقتَنوُا العِلم كي تنالوا خُلوداً
لا تَعُدُّوا الحياة في الجَهْلِ شَيّا»9 اُنظر ص 20 - 21 من الكتاب.

ولا يعلم هذه الاقتباسات والاستفادات وتمييزها من السَّرقات الّا من كان ذا باع طويل في الأدب، وذا مِرَّةٍ في النَّقْد والتمحيص.
وذكر في المطلب الأوّل أيضا قول أميرالمؤمنين عليه السلام: «إنّما الدنيا دار ممرّ، والآخرة دار مقرّ، فخذوا من ممرّكم لمقرِّكم، ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم»، وقال عليه السلام: «أهل الدنيا كرَكْب يُسارُ بهم وهم نيام»، ذكر هذين الكلامين، ثمّ قال: «قال أبوبكر محمّد بن الوليد الطُرطوشى:
إنّ لله عِباداً فُطُناً
طلّقوا الدُّنيا وخانوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا
أنّها ليست لحىٍّ وَطَنا
جعلوها لُجَّةً واتخذوا
صالح الأعمال فيها سُفُنا»10اُنظر ص 50 من الكتاب.
وهذه الالتفاتة مثل سالفتها في النباهة والحِذْقِ الادبى.
وبالرغم من أنّ كتابه المنظور - المقاصد العلية في المطالب السنية - من أوائل مؤلّفاته، وهو قبل كتاب "الغدير" على القطع واليقين، إلا أنّ وَحْدَة النهج والنسق تكادُ تُلْمَسُ في كليهما، وإن كان أسلوب الغدير أمتن وأرصن كما سنشير إلى ذلك، لكن المسار العامّ هو تقاربهما في النهج والنسق.
لقد ذكر العلامة الأمينى قدس سره في كتابه الغدير روائع من شعر ابن حماد لم يذكرها غيره، وتجدُ كذلك نُتَفاً منها في المقاصد العلية، فبعد أن ذكر الحديث النبوى - في أنّ الله عز وجل شَقَّ لعلى اسماً من أسمائه، فهو العليّ الأعلى، وأميرالمؤمنين عليّ - ذكر قول ابن حماد:
الله سمّاه عليا باسمه‏
فسما علوّاً في العلا وسُمُوقا
واختاره دون الورى وأقامه‏
عَلَماً إلى سُبُل الهدى وطريقا
أخذ الإله على البريّة كُلّها
عهداً له يوم الغدير وثيقا
وغداة آخى المصطفى اصحابه‏
جَعَلَ الوصي له أخاً وشقيقا11 اُنظر ص 71 من الكتاب، والغدير، ج 4، ص 150.
بل كان الأمينى قدس سره يتتبع المطالب العلمية في شعر شعراء الشيعة ولاتفوته منها شاردة ولا واردة، لذلك نجده عند الحديث عن عالم الذرّ يقول: «هذه جملة من قسمة المنثور من كلمات علماء الامامية الاجلّة، وأمّا ما ورد في المسألة نظماً من العلماء الامامية رضوان الله عليهم ومن سائر أطباق الفريقين فهى كثيرة جدّاً، نستروح بذكر جملة منها» (ص 325) ، ثم راح ينوّر صفحاته بشعر للشيخ جابر الكاظمى والشيخ محمّد على الاوردبادى والشيخ صالح التميمى، وعبد الباقي العمرى، وصالح بن قاسم الحويزى النجفى المعروف ب "صالح حجى"، والسيّد عدنان البحرينى - أو محمد الموسوى - والسيد الحميرى، وابن حماد، والحرّ العاملى، وجواد الشبيبى، ومحمّد بن فلاح الكاظمى، والسيّد حسين بحرالعلوم، والشيخ حسين نجف، والسيد عباس المفتى التسترى، وابن العرندس، والشيخ كاظم الكويتى، وأبى القاسم الزاهى، ومعتوق بن شهاب الموسوى، وابن الفارض، ومحيى الدين بن عربيّ، ومحمّد حسن أبى المحاسن الحائرى، والشيخ طالب شرع الإسلام مصرِّحاً بأنّه ترجمه في كتابه شعراء "الغدير"12 اُنظر ص 323 - 326 من الكتاب. وهذا يعنى أنّه كان قد ألّف الغدير أو قسماً منه، أو كان مشتغلاً بتأليفه، ويدلّ على ذلك أنّه ذكره هنا باسم «شعراء الغدير»، لكن يبدو أنّه حين أتمّه اختار اسمه النهائى «الغدير في الكتاب والسنة والأدب».، وقد ختم المطلب الثالث من كتابه بهذه الكوكبة من الاشعار.
وبين هؤلاء الشعراء وأشعارهم كان يذكر أشعاراً فارسية في الذرّ والميثاق. واستيعاب هذا العدد الضخم من الشعراء، وانتقاء ما يخصّ الذرّ من أشعارهم، يعنى مطالعته لدواوين جمّه، واستقراء الشعراء وأشعارهم، وهذا الأمر لايعرف عُسرَه إلا من يكابده، ولا يتحسَّسه الا من تجشّم عناء البحث والتنقيب والاستقصاء وانتخاب ما يخص الموضوع المراد استلاله من شعر الشعراء ودواوينهم المطبوعة والمخطوطة.
وبين الشعراء الذين ذكرناهم آنفاً يلمع اسم صديقه الشيخ الحجة محمّد على الأُوردبادى، الذي كان خليصَهُ وصفيَّهُ وبَلَدِيَّهُ، والذى كان يُكنُّ كُلَّ الإجلال والاحترام والتقدير للعلامة الأمينى، وكان العلامة الأمينى يقابله بمثل ذلك.
لم يغفل الأمينى صديقه الأديب الألمعى هذا، بل راح يستنطقه عما عنده من مخزون الأدب، ومكنون القريحة حول عالم الذر، فكان أن رَفَدَ العلامةُ الاوردبادىُّ العلامةَ الأمينى بما عنده.
قال الأميني:
«و قال شيخنا المفضال الأجل، عَلَم العلم والأدب، العلامة الميرزا محمّد على ابن الشيخ حجّة الإسلام الميرزا أبوالقاسم الاوردبادى، وقد أنشدنى شعره هذا في بلدة تبريز:
أباحسن إن يجحدوك فطالما
بمنتثر الحصباءِ عيضَ عن الدُّرِّ
ألم يكفهم غَديرُ خُمٍّ مَنَصَّةً
على سالِفِ الميثاقَ في عالمِ الذَّرِّ
وقال دامت بركاته في قصيدة رائية طويلة قالها يمدح بها شهداء علماء الشيعة المذكورين في كتابنا "شهداء الفضيلة"13 هذا يدلك على أنّ كتاب شهداء الفضيلة أُلِّف قبل كتاب المقاصد العلية.، المؤلِّف في تاريخ حياة شهداء علماء الإمامية رضوان الله عليهم:
وقُل فيهم ما شئت من مفخرٍ لهم‏
و ما شئت من أمرٍ فحدِّث عن البحرِ
وما نزلوا للموت وَهْناً وإنّما
حَداهُمْ لَهُ الميثاقُ في عالم الذَّرِ
هنالك إذجاءوا بعهد مُؤكَّدٍ
فلم يُلْفَ منهم بعدَهُ وَجْهُ مُزْوَرِّ» (ص 326)

وهذا الأمر ينبى‏ءُ عن أنّ الأمينى كان يستقصى حتّى ما عند معاصريه في كتاباته لكى لايفوته شى‏ء مما يرفد موضوعه بالعطاء، وهذه لعمرى خصلة الباحث المتتبّع الذى يزن الأمور بموازينها، ويأخذ من كلٍّ رائعة ما يزينها.

الهوامش والحواشى‏‏

من الأمور التي يعرفها العلماء والمحققون ما للهوامش والحواشى من فوائد لايستغنى عنها في الكتابات والمؤلّفات ذات الثقل العلمى الكبير، فإن البحر إذا فاض عبابه وازدحمت أمواجه وكثرت عقيانه، رَمَى بلآئه وجواهره إلى الساحل، لذلك تزدان غالبية الأسفار والكتب الرصينة بهوامش وحواش تتلائم ضخامة ومحتوىً مع متن الكتاب، وهذا ما يرصده القارى لكتاب "المقاصد العلية في المطالب السنية"، حيث كثرت في هوامشه وحواشيه الفوائد العلمّية مشفوعة بنفس القلم والطريقة والأُسلوب، وذلك زيادة في الإفادة، وحرصاً على عدم فوات أيّ مطلب من المطالب، أو تنبيه من التنبيهات، بحيث لاتضرّ بنسيج المتن، لذلك يستعاض عن المتن بالهامش والحاشية، ولكى لا يلتبس الامر على واجد النسخة من بعد، فإنّ المؤلّف يذيّل هامشه بعبارة تدلّ على المهمِّش لئلا يختلط بهامش كاتب أو معلِّق آخر، بما يهمّش المحقِّق للكتاب.
وهذا الطريقة نجدها عند كبار العلماء والفقهاء والأدباء، وقد غَنِيت بها كتب العلامة الأمينى وتحقيقاته، تَجدُ ذلك واضحاً فى تحقيقه لكتاب كامل الزيارة، كما تجده في كتاب المقاصد العلية، وكم كان بودِّى أن تطبع هذا الهوامش بخطّ أو حجم آخر للحرف لتمتاز عن هوامش التحقيق، خصوصاً في الموارد التى تكون مثاراً للخلط والاشتباه14 وذلك مثل الهامش 3 من ص 42.، ويتّم بذلك العمل الجليل الذى قام به سماحة حجةالاسلام السيّد محمّد الطباطبايى اليزدى حفظه الله.
وعلى كلّ حالٍ، فإنّ نظرة سريعة إلى الهوامش توقفنا على ما قلناه من متانة التعليقة وعلميّتها مصحوبة بالقَلَم السَّيَّال المتماسك الأطراف.
خذ مثلاً على ذلك بيانه الكافى الشافى للوجوه والأقسام المتصوّرة في رؤية الله تعالى، وأنّ كلمات أهل البيت عليهم السلام كُلُّ منها ناظر إلى قسم من الأقسام، حيث قال في الهامش: «اعلم أنّ رؤية الله تعالى إنّما تُتَصَوَّر على أقسام أربعة، والنفى والاثبات الوارد في أخبار أهل البيت العلم والحكمة عليهم السلام كُلّ منها ناظر إلى قسم واحد منها» (ص 139) ، ثم راح يبين الأقسام الواحد تِلْوَ الآخر بأربع صفحات مملوءة بالحرف المطبعى الناعم، خاتماً كلامه الشريف بتشطير الشيخ عبدالحسين التسترى الكاظمى أبيات الصدر العاملي:
«عليّ بشطر صفات الإله»
خُصِصْتَ وغيري يرى الكُلَّ لَكْ‏
فتسييرك الفُلك مِمّا به‏
«حُبِيتَ وفيك يدورُ الفَلَكْ»
«و لمّا أراد الإلهُ المثال»
لِقُدْسِىِّ أوصافِه شكَّلك‏
ولمَّا قضى أن تكونَ الدليل‏
«لنَفْىِ المَثيلِ لَهُ مَثَّلَكْ»
«ولولا الغُلُوُّ لكُنْتُ أقول»
و لكنَّ مَن قال قبلى هَلَك‏
بأنَّك أنت الإلهُ الّذي‏
«جميعُ صفاتِ المهيمنِ لك»
وخُتِمَ ذلك بعبارة «منه رحمه الله تعالى».15 اُنظر الهامش في ص 139 - 143 من الكتاب.
وهنا أيضاً يلاحظ الوَلَع بالأدب العربيّ وبالأُسلوب الشَّيِّق في مزاوجة المطالب العلمية بالأدب الهادف.
وعند نقله قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في حقِّ أميرالمؤمنين عليه السلام: «إنّه أوّل من آمن ب الله ورسوله، ولم يسبقه إلى الإيمان بى أحَدٌ بُعِثَ؛ مَلَكٌ مقرَّب ولانبيّ مرسل»، هَمَّش المؤلِّف لبيان المراد من المبعث في هذا الحديث الشريف، وأنّه المَبْعَثُ الأَوَّل من مَبْعَثَى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فبيّن ذلك بالأحاديث والأدلة بصفحتين كاملتين في الهامش، وكتب فى آخر الهامش: انتهت تعليقة المؤلِّف قدس الله نفسه الزكية.16 اُنظر الهامش في ص 170 - 171 من الكتاب.
وبعد ذكره 73 حديثاً في عالم الذّرّ، وبيانه لحال أسانيد أربعين منها، انطلق قلمه الأمين ليقول: «ليت شعرى بأىِّ كتابٍ أم بأيّة سُنَّةٍ يُعْرَضُ عمّا أخبر به تراجمةُ وحى الله ولسان حكمته؟! وكيف يُهْمَل معنىً تفيده الأدلّة الكثيرة من الآيات والأخبار، ويؤخذُ معنىً ليس في الكتاب والسُّنّة عينٌ ولا أثرٌ ممّا يدلّ عليه؟!» (ص 287)
ثم ذكر أنّ تلك الأحاديث مروية كلّها عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمة الاثنى عشر عليهم السلام، وأنّ رواتها عن المعصومين جماعة تزيد عدّتهم على خمسين، وأكثرهم ثقات عدول أثبات أجلاء من أصحابنا الإمامية رضوان الله عليهم اجمعين، ثم راح يعدّدهم.17 اُنظر ص 287 من الكتاب.
وعند الاسم الأخير من أُولئك الأجلة الخمسين، قال مهمّشاً: نذكر حال أربعين رجلاً ممن تنتهى إليه أسانيد أخبار المسألة على وجه الاختصار والإشارة: 1- أحد أركان الدين 2- أحد أركان الأربعة 3- ثقة جليل 4- أحد أكابر الصحابة 5- مشكور من خاصة أميرالمؤمنين عليه السلام... وهكذا استمرّ في بيان ألفاظ توثيقهم وتعديلهم ومدحهم حتّى عدّ أربعين عبارة، وكُتب في نهاية الهامش: منه رحمه الله.18 اُنظر هامش ص 287 - 288.
وفي هذا الهامش من الفائدة للمطالع ما لا غنىً عنه في هذا المقام، وهو مقام الاستدلال والبيان.
ولعلّ مطالعة سريعة للهوامش توقف الباحث على ما قلناه وتغنينا عن الإطالة في هذا المجال.

مكتبتة ونُسَخُهُ‏‏

ومن الميزات التبى امتاز بها هذا الكتاب - أعنى المقاصد العليه في المطالب السنية - هو ذِكر العلامة الأمينى في أثناء بحوثه نسخة المصدر الذى اعتمد عليه أو مطبوعته، وذلك كان في غاية الأهمية في زمانٍ لم تكن الطباعة فيه قد انتشرت بشكل كبير، ولم تكن قد أخذت رونقها، ولم يكن عند الناس الحاسوب الآلى "الكومبيوتر"، فذِكْرُ وَصْف النسخة والكتاب المعتمد فى النّقل يكون ضروريّاً للباحث، وعلى الأخص في مقام الاحتجاج وحل الاختلاف وبيان القول الفصل. وهو يدلّ على نقل المؤلّف من المصدر الأُمّ دون واسطة، وهو أشدّ في التثبُّت، كما أنّ ذلك الوصف يفيدنا في التعرّف على مكتبة العلامة الأمينى قدس سره.
وأمثلة ذلك كثيرة في الكتاب، خصوصاً الكتب النادرة أو القليلة التداول بين أهل العلم والناس.
فمن ذلك قوله: وفي "مناقب المائة" للشيخ الثقة الأجل أبى الحسن محمّد بن أحمد بن على بن الحسن بن شاذان قدس الله سرّه - والكتاب موجود عندنا - عن أبى سلمى (ص 72) ... إلخ. وأكدّ ذلك في موضع آخر فقال: ونحن نذكر لفظ الشيخ الثقه شيخ مشايخ الأجلّة أبى ألحسن بن شاذان في المنقبة التاسعة والأربعين من كتابه مناقب المائة الموجود عندنا. (ص 176)
وقال: وفي "تفسير فرات بن إبراهيم الكوفى" رحمه الله - الموجود نسخته عندنا - روى في سورة البقرة (ص 72) ... إلخ.
وأكّد ذلك مرّة أخرى فى موضع آخر فقال: نحن نذكر لفظ رئيس المحدّثين في عصره فرات بن ابراهيم الكوفى رحمه الله في تفسيره الموجود عندنا. (ص 119)
وكرّر ذلك ثالثه قائلاً: فرات بن إبراهيم الكوفى في تفسيره - والكتاب موجود عندنا - قال حدثنا على بن عتاب (ص 204) ... الخ.
وقال: وفي "دلائل الإمامة" للشيخ الأجل محمّد بن جرير الطبرى - والكتاب موجود عندنا - ما روى بإسناده عن سلمان (ص 73) ... إلخ.
وقال: وفي "كفاية الطالب" للإمام الحافظ محمّد بن يوسف الكنجى - والكتاب موجود عندنا - روى بإسناده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديثا طويلاً (ص 75) ... إلخ.
وقال: الرابع: إنّه [أى أميرالمؤمنين عليه السلام ] أوّل الناس لقاءً لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأوّلهم ووروداً عليه، كما فى الطرفة العشرين من كتاب "الطُّرَف" للسيّد المعتمد ابن طاووس - والكتاب موجود عندنا - عن مفضل (ص 173) ... إلخ.
وقال: في خصائص الأئمة للسيّد الشريف الرضى رحمه الله - والكتاب موجود عندنا - عن أصبغ بن نباتة (ص 204) ...
وقال: ورواه السيّد الأجل ابن طاوس رحمه الله في كتاب اليقين - الموجود عندنا - نقلاً عن كتاب محمّد بن العباس (ص 205) ... الخ.
وقال مرة اخرى: في الباب الخامس والستون من كتاب "اليقين" فيما نذكره من المجلد الأول... ثم كتب في الهامش عند كلمة "اليقين": هو للسيّد الثقة الوجيه على بن طاووس رحمه الله، وهو موجود عندنا، منه رحمه الله (ص 206) .
وقال: الشيخ الثقة أبو محمّد جعفر بن أحمد القمّى رحمة الله في "كتاب العروس" - ونسخته موجودة عندنا - قال الصادق عليه السلام (ص 254) ...
وقال: في كتاب الكشكول فيما جرى لآل الرسول الموجود نسخته عندنا (ص 266) ...
وقال: في مختصر بصائر سعد بن عبد الله الموجود نسخته عندنا (ص 266) ...
وقال: ابن قولويه في كامل الزيارة الموجود نسخته عندنا (ص 268) ...
وهذا دأبه في كثير من المواطن والكتب، وهذا الطريقة هى طريقة ابن طاووس رضوان الله عليه - التي ترسَّمها العلامة المجلسي - في ضبطه للكتب التي ينقل منها وضبط أسماء مؤلِّفيها، ودقة وصف نسخها، لكنّ العلامة الأمينى - وللأسف - لم يضبط مواصفات الكتب التي كانت عنده، ولا ذكر تاريخ طباعتها، ولا مكان الطباعة، ولا اسم المحقق إن كان، وهذا ما يجعل مجرّد ذكر وجود الكتاب عنده قليل الفائدة.

بقي شى‏ء‏

وهو أنّ الحقّ والإنصاف يقتضى أن نقول: إنّ أُسلوب العلامة الأمينى قدس سره أسلوب رائع متين رصين في كُلِّ مؤلفاته وكتبه وتعليقاته وتحقيقاته، لكنّ قَلَمَهُ وصياغته في كتاب الغدير يمتازان عن سائر مؤلفاته بعذوبة الألفاظ، وسحر البيان، وسعة الميدان كرّاً وفرّاً، ووفرة الأشعار والأمثال والتفنن في العبارات، وتنميق العبارات، وترصيف الكلمات الذهبية.
فلا تجد مثل قوله وهو يفند بعض مزاعم ابن تيمية: «فإن كان هؤلاء الحفاظ والأعلام خارجين عن أهل المعرفة بالحديث فعلى اسلام ابن تيمية السلام، وإن كانوا غير داخلين في الاتّفاق فعلى معرفته العفاء، وإن كان لم يُحط خُبْراً بإخراجهم الحديث حين قال ما قال فَزِهْ بطول باعه في الحديث، وإن لم يكن لا ذاك ولا هذا فمرحباً بصدقه وأمانته على ودائع النبوة». (الغدير، ج 3، ص 216)
كما لا تحصل على مثل قوله حول بيعة السقيفة الظالمة وحرق الدار: «فزِهْ زِهْ بانتخاب هذا شأنه، وبَخْ بَخْ ببيعة تمَّت بذلك الإرهاب، قضت بتلك الوصمات». (الغدير، ج 7، ص 87)
وحسبُك روعةً قوله في الدكتور طه حسين: «لكنّ عجبي كلّه من مثل هذا الذي يرى نفسه مُنَقِّباً، ويحسبه فذّاً من أفذاذ هذا العصر الذهبي، عصر النور، عصر البحث والتنقيب الذى مُنى بمثل هذا الدكتور وأمثاله من جِمالٍ مُسْتَنْوِقة، يُسِرُّونَ حسواً فى ارتغاء» (الغدير، ج 2، ص 253)...
فهذه الصياغة الذهبية المشتملة على مَثَلين متتابعين من أمثال العرب "استنوق الجمل" و"يسّر حسوا فى ارتغاء" لاتجدها في كتاب المقاصد العلية.
ويقول في ردّ نظرية انتخاب الناس للخليفة بالشورى: «و ليس من المأمون أن يقع انتخابهم على عائث، أو يكون التياثهم بمُشاغب، أو يكون انثيالهم وراء من يُسِرُّ على الأمّة حَسْواً في ارتغاء، أو يقع اختيارهم على جاهل يرتبك في الأحكام فيرتكب العظائم، ويأتى بالجرائم، ويقترف المآئم» ... (الغدير، ج 7، ص 133)
فها أنت ترى حُسْن العبارة ورشاقتها، وسطوع الكلمات وإشراقها، وتطعيم الكلام بالمَثَل، وانسياب الطباق والجناس بمنتهى العفوية وتسلسل السّجْع كالسلسال العذب.
ولعلّ العذير في ذلك أنّ في الغدير مجالاً للكلام التاريخى والأدبى، ومتسعاً للمُساجلة والإبداع الخطابى، وهذا ما لا يمكن تجشّمه في مثل مطالب المقاصد العلية البحتة في العِلْم، والمتمحّضة بالغور في أعماق التفسير والتأويل والحديث والمعرفة.
ولعلَّ للتراكم المعرفي، ورفرة التجربة، وخوض الميدان مرّة بعد أخرى، وطول الاستقرار في النجف الأشرف بين العرب الأقحاح وكبار الأدباء، لعلّ لكلِّ ذلك اثراً في صقل الموهبة الادبية، ورَوْنقَة القَلَم، واتّحاد النسيج أكثر فأكثر.
وفي نهاية المطاف لايسعنا إلّا أن نقف إجلالاً وإكباراً أمام هذه الشخصية الفذّة، والكتب النادرة، التي تلاقحت فيها الأفكار والآداب، حتى انتجعت ثماراً يانعة في جِنان التراث الشيعي.
والحمدلله رب العالمين على ما مَنَّ وأَلْهَم، وأعطى وأكرم، والصلاة على النبي الأمّىّ الامين، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.


۱. اُنظر ص ۱۳۳ - ۱۳۹ من الكتاب.
۲. اُنظر ص ۱۵۳ - ۱۵۵ من الكتاب.
۳. اُنظر ص ۱۵۷ - ۱۵۹ من الكتاب.
۴. اُنظر ص ۱۷۷ - ۱۸۱ من الكتاب.
۵. اُنظر ص ۱۹۶ - ۲۰۹ من الكتاب.
۶. اُنظر ص ۲۳۲ - ۲۳۴ من الكتاب.
۷. اُنظر ص ۲۷۰ - ۲۸۶ من الكتاب.
۸. وهو الّذى ارتأينا أنّه ثالث المطالب.
۹. اُنظر ص ۲۰ - ۲۱ من الكتاب.
۱۰. اُنظر ص ۵۰ من الكتاب.
۱۱. اُنظر ص ۷۱ من الكتاب، والغدير، ج ۴، ص ۱۵۰.
۱۲. اُنظر ص ۳۲۳ - ۳۲۶ من الكتاب. وهذا يعنى أنّه كان قد ألّف الغدير أو قسماً منه، أو كان مشتغلاً بتأليفه، ويدلّ على ذلك أنّه ذكره هنا باسم «شعراء الغدير»، لكن يبدو أنّه حين أتمّه اختار اسمه النهائى «الغدير في الكتاب والسنة والأدب».
۱۳. هذا يدلك على أنّ كتاب شهداء الفضيلة أُلِّف قبل كتاب المقاصد العلية.
۱۴. وذلك مثل الهامش ۳ من ص ۴۲.
۱۵. اُنظر الهامش في ص ۱۳۹ - ۱۴۳ من الكتاب.
۱۶. اُنظر الهامش في ص ۱۷۰ - ۱۷۱ من الكتاب.
۱۷. اُنظر ص ۲۸۷ من الكتاب.
۱۸. اُنظر هامش ص ۲۸۷ - ۲۸۸.
المؤلف: الشیخ قیس بهجت العطار
فئات المقالات: نقد الکتب