فارسی
المقالات والأبحاث
الصفحة الرئيسية   /   المقالات والأبحاث   /   التاریخ   /   الإسلام في "البلقان"
الإسلام في "البلقان"
محمد م. الأرناؤوط
الإسلام في
ارتبط انتشار الإسلام في البلقان بالدولة العثمانية صعوداً وهبوطاً خلال ۵۰۰ سنة من وجودها الذي انتهى تدريجياً حتى ۱۹۱۲، باستثناء جيب صغير حول اسطنبول عرف صعوده بروزاً لعلماء اشتهروا في العالم الإسلامي وساهموا في التأليف والاجتهاد في علوم الدين والدنيا، ثم عايش في تراجعه أمام التحديات الوجودية (التهجير والتهميش... إلخ) الانكفاء نحو الحيز الأضيق الذي تُرك له بعد ۱۹۱۲. ويكفي أن نرى في «كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون» لحاجي خليفة كم من العلماء حملوا لقب «الاسكوبي» (نسبة إلى اسكوب أو سكوبيه عاصمة جمهورية مقدونيا الحالية) في مختلف العلوم واشتهروا في العالم الإسلامي، ثم ماذا حل بالعلماء والمسلمين في هذه الدولة بعد ۱۹۱۲.
في تلك القرون «الذهبية» التي أصبحت فيها مدينة اسكوب أو سكوبيه من مراكز الثقافة الإسلامية في البلقان، مثلها مثل بلغراد وسراييفو وغيرها، كان الاسلام في البلقان يمثل كتلة متميزة تجمع بين «الإسلام العثماني» والعرف المحلي باعتبار أن غالبية المسلمين من الأوروبيين الذين كانوا ينحدرون من حضارات عريقة. ومن هنا ليس بالصدفة أن يظهر وقف النقود في البلقان الذي اعتبر «ثورة في الفقه المتعلق بالوقف»، في القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي قبل أن يقرّه شيوخ الإسلام في اسطنبول (أبو السعود العمادي وغيره).
ولكن بعد «حرب البلقان» في ۱۹۱۲-۱۹۱۳ التي كانت كارثة للمسلمين في البلقان، تعرض المسلمون في مقدونيا إلى تهجير وتهميش خلال عقود عدة، وبالتحديد حتى استقلال «جمهورية مقدونيا» في ۱۹۹۱. فخلال حرب البلقان ۱۹۱۲-۱۹۱۳ والحرب العالمية الأولى ۱۹۱۴-۱۹۱۸ كانوا ضحية القوى التي سيطرت على المنطقة، على حين أنه بعد تأسيس مملكة يوغوسلافيا (۱۹۱۸-۱۹۴۱) كانوا ضحية الهيمنة الصربية بعد أن أطلقت بلغراد على هذه المنطقة اسم «صربيا الجنوبية» وعملت على تصريب السلاف وتهجير المسلمين وهدم أهم منشآتهم التاريخية ( مثل جامع بورمالي الذي بني في ۱۴۹۵ وهدم في ۱۹۲۵ ) بحجة «التحديث العمراني»، ثم جاء الاحتلال البلغاري خلال ۱۹۴۱-۱۹۴۴ ليكمل ذلك المسار. وتوج هذا المنحى مع وصول الحزب الشيوعي الى الحكم في ۱۹۴۵ مع ابتداع حدود لـ «جمهورية مقدونيا الشعبية» باعتبارها «دولة قومية للشعب المقدوني»، اذ تُرك للقيادة الشيوعية أن تحقق ذلك على الأرض مع الاستمرار في تهجير المسلمين إلى تركيا ليتحولوا من أكثر من نصف السكان إلى أقلية مهمشة ترضى بما تسمح لها السلطة: نشر كتب «علم الحال» (مبادئ العقيدة الاسلامية) مع شكر السلطة على «التسامح» مع الأديان بحسب الدستور اليوغوسلافي .
كان هذا هو الوضع حين انهارت يوغوسلافيا في ۱۹۹۱ نتيجة لانهيار احتكار الحزب الشيوعي للسلطة، واستقلت «جمهورية مقدونيا» في ۱۹۹۱ كجمهورية ديموقراطية. ولكن من يقارن الآن وضع المسلمين في هذه الجمهورية بما كانوا عليه في ۱۹۹۱ لا يصدق التحولات الكبرى التي طرأت على المسلمين وأعادت اليهم الحضور الكمي (حوالى ۵۰ في المئة من السكان) والحضور النوعي المتمثل في المشاركة في الحكم والمؤسسات التعليمية والثقافية (كلية الدراسات الاسلامية ودور النشر والمجلات... إلخ) التي بنتها وأضحت تمثل بنية تحتية تعد بما هو أكثر. فنظراً الى أن غالبية المسلمين من الألبانيين فقد كان من المحال تخيّل وجود وزير مسلم بينما الآن لدينا وزراء عدة، ولا يمكن أن تتشكل حكومة الآن من دون وزراء مسلمين.
المؤلف: محمد م. الأرناؤوط
منقول من: الحياة-(مختار من مقال "سليمان رجبي رمزاً لتطور الفكر الإسلامي في البلقان")
فئات المقالات: التاریخ